فوزي آل سيف

96

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

في الموضعين استعمل القرآن كلمة (مثوى) ففي وصية العزيز قال: اكرمي مثواه، وهنا قال يوسف إنه أحسن مثواي! بينما رأى مفسرون آخرون أن قوله (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ)، إشارة إلى الله سبحانه وتعالى، فإنه يؤمن بأنه ربه الذي أحسن مثواه، صحيح أن النبي يوسف قد عبر عن الملك تارة بالرب ولكنه لم ينسبه إلى نفسه، وإنما نسبه إلى من يخاطبه إما لأن من يخاطبه يعتقد كذلك أو لأنه ربه بمعنى رب النعمة عليه فقد قال للسجين المحرر: (اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ)، ولم يقل: اذكرني عند ربي.. فعندما يقول ربي يقصد رب الأرباب، وملك الملوك. فهو الرب الحقيقي الذي أحسن مثوى يوسف. وهو الذي انتجبه واجتباه، وهو الذي حفظه في البئر، وسخر له السيارة القادمين، وألقى محبته في قلب العزيز وحفظه من كل الشرور. هذا هو المحسن الحقيقي وأما باقي الأشخاص والأشياء فليست سوى أدوات ووسائل. ويمكن لهؤلاء المفسرين أن يستشهدوا بأن الموارد التي استعملها يوسف ناسبا الرب إليه إنما كانت في حق الله سبحانه وتعالى دون غيره[210]. وقد يكون المعنى الثاني أوفق بالمعنى الديني وموقع النبي يوسف عليه السلام واعتقاداته وما ينتظر منه، وأن التزامه الأخلاقي في هذا المورد وغيره راجع إلى معرفته برهان ربه، وإيمانه بحياطة الله له وإنعامه عليه، وكونه تحت ولايته والذي يتجلى في ثنايا السور (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)[211]والمعنى الأول أوفق بالجانب الاجتماعي والأخلاقي العام.. ولعل الاشارة التي لا تخطئها العين هي أن القصة كأنها تريد القول: أن الخيانة ليست بنت الوسائل ولا الأزمنة المتأخرة، فإنه قد يتصور قسم من الناس، أن هذه الذنوب والخيانات هي نتاج أزمنتنا وترى العبارة الجاهزة ربما عند الجميع، القول: الآن بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي كثرت الخيانات، والطلاق أما في الأيام السابقة لم تكن! وربما أطنبوا وبجّلوا في الأزمنة القديمة (الجميلة)! وكأنهم يريدون القول أن المشكلة هي في الوسائل والإمكانات. إلا أنها فكرة خاطئة بلا ريب. فالوسائل لا تتحرك ما لم تكن هناك نفس (أمارة بالسوء)، وربما يكون لهذا السبب تم التركيز على هذه القضية (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي). الخيانة الزوجية من قبل الزوج أو الزوجة موجودة في كل العصور. والوسائل ليست أسبابًا وإنما هي مسرعات ومبطئات. وإنما السبب الحقيقي في الخيانة: هو الغفلة عن مراقبة الله سبحانه وتعالى، وفكرة (إنه ربي). والبعد عن الالتزام الديني والأخلاقي. وهذا قد يوجد في زمان نبي الله يوسف، وقد يوجد في زمان الجاهلية - كما في قضية والدة زياد ابن أبيه، وفي ما بعد الاسلام، أو في أزمنتنا الحاضرة.

--> 210 وممن ذهب إليه العلامة الطباطبائي في الميزان 11/ 125، فقال: على أنه عليه السلام لم يكن ليعد العزيز ربا لنفسه، وهو حر غير مملوك له وإن كان الناس يزعمون ذلك بناء على الظاهر، وقد قال لأحد صاحبيه في السجن: « اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ »: الآية ٤٢ من السورة، وقال لرسول الملك: « ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ »: الآية ٥١ من السورة ولم يعبر عن الملك بلفظ ربي على عادتهم في ذكر الملوك، وقال أيضا لرسول الملك: « فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ » حيث يأخذ الله سبحانه ربا لنفسه قبال ما يأخذ الملك ربا للرسول. 211 يوسف : 101